السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

10

مفاتيح الأصول

وأما الرابع فلأنا لم نجد منه ما يدل على لزوم تحصيل القطع في جميع مسائل أصول الدين وعدم جواز أن يكلفنا بالظن في شيء منها وقد ثبت ممّا ذكرناه أن الملازمة ممنوعة سلمناها ولكن نقول نمنع من بلوغ الاستدلال الإجماع وفعل جمع كثير منهم لا يكون حجة سلمنا أن جميع العلماء صدر منهم الاستدلال لكن لعله من باب الإلزام والتأييد وتكثير الشواهد حتى يحصل العلم من جميعها ونحن لا ننكر حصول العلم أحيانا من ضم الأخبار الكثيرة والآيات العديدة المتفقة دلالة مع المؤيدات العقلية والشواهد الاعتبارية وليس كلامنا في هذا بل في أن الكتاب والسنة بأنفسهما بحيث لا ينضمان إلى شيء لا يفيدان العلم وأنه لا يمكن استفادة الأحكام الإلهية على وجه القطع من مجردهما من غير مراجعة إلى شيء غيرهما وأما استدلال المعصومين عليهم السلام فيمكن تنزيله على ما ذكرناه أيضا بل هو أقرب إلى هذا التنزيل كما لا يخفى وبالجملة إذا علمنا بالأدلة العقلية أن الكتاب والسنة لا يفيدان العلم فلا يجوز لنا رفع هذا العلم بمجرد ما ذكر وهو واضح في الغاية ولا يقال من اطلع على الخطابات الشرعية فهم معانيها على وجه يطمئن نفسه ولا يخطر بباله شيء من الاحتمالات المتقدم إليها الإشارة وليس ذلك إلا لكونها مفيدة للعلم وبالجملة كلما تقدم إليه الإشارة من الأدلة على أن تلك الخطابات لا تفيد العلم إنما هو تشكيك في مقابلة البديهة ومصارفة للظاهر وليس إلا كالتشكيك في التواتر والخبر المحفوف بالقرينة القطعية لأنا نقول لا نسلم حصول الاطمئنان في جميع الخطابات بل في كثير منها لا يحصل ذلك قطعا سلمنا ولكن لا نسلم أن مجرد الاطمئنان باعتبار العلم بل قد يحصل الاطمئنان من غير العلم ومن الظن وهو الظن الذي جرت العادة باعتباره ألا ترى أن الاطمئنان حاصل لمن يسلك طريقا لم يظهر فيه أمارة الخوف مع أنه ليس بعالم بفقد الضرر فيه وإلا لما كف نفسه عنه بإخبار مخبر بتحقق الضرر فيه والتالي باطل وهو واضح وإنما يكون ذلك تشكيكا في مقابلة البديهة إذا علم من عادة العقلاء كون تلك الخطابات مفيدة للعلم وهو باطل قطعا بل المعلوم من عادتهم خلافه وهو ظاهر جدّا مفتاح لا يجوز من الحكيم المخاطبة بما له ظاهر ويريد منه خلاف ظاهره من غير قرينة تدل عليه وقد حكي عليه اتفاق الأصوليين والحجة في ذلك وجوه الأول أن المخاطبة المزبورة مستلزمة للإغراء لجهل وهو قبيح أما الأول فلأن إطلاق اللفظ الظاهر الدلالة على معنى يوجب اعتقاد السامع العالم بالوضع إرادة لافظه منه ذلك المعنى وذلك معلوم بالوجدان فإذا لم يكن المعنى مراد اللافظ كان اعتقاد إرادته جهلا وحينئذ يكون إطلاق اللفظ مع عدم إرادة معناه إغراء السامع بذلك الجهل وأما الثاني فواضح الثاني أن اللفظ الذي له ظاهر بالنسبة إلى غيره مع عدم القرينة مهمل إذ ليس فيه ما يصح معه الاستعمال فيه والمخاطبة بالمهمل قبيح الثالث أنه مستلزم للتكليف بالمحال فيما إذا قال افعل وأراد لا تفعل من غير قرينة وهو قبيح فلا يجوز وبالجملة فالمسألة في غاية الوضوح ومما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف ولكن المرجئة من سوء فهمهم وقلة تعقلهم ذهبوا إلى جواز ذلك وادعوا أن الآيات الشريفة المتوعدة بها ليس المراد منها ظاهرها وإن لم يكن هناك قرينة واحتجوا على ذلك بالآيات الدالة بظاهرها على الجسمية إذا المراد منها غير الظاهر مع عدم القرينة وضعف هذا واضح فإن القرينة العقلية موجودة حال الخطاب ولا يشترط في القرينة أن تكون مقالية متصلة ولا أن تكون بحيث يفهم منها المعنى كل أحد بل المخاطب فقط مفتاح لا يجوز من الحكيم المخاطبة بالمهمل وهو اللفظ الذي لا معنى له أصلا لأنها قبيح جدا وكل قبيح لا يجوز صدوره منه وعلى هذا فيلزم أصحابنا القول بذلك كما أشار إليه في النهاية فقال واعلم أن هذه المسألة إنما تتمشى على قواعد المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقليين ويلزم الأشاعرة موافقة الحشوية وإن لم يصرّحوا به انتهى وممن ذهب إلى هذا القول من العامة البيضاوي والعبري كما عن المحصول بل ادعى السيد عميد الدين أنه مذهب الأشاعرة والمعتزلة وفي النهاية اتفق الناس على أنه لا يجوز اشتمال القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وآله على ما لا معنى له انتهى وحكي عن الحشوية تجويز ذلك وربما يظهر من الحاجبي والعضدي المصير إليه واحتجت الحشوية على ما حكي بوجوه الأول أن فواتح السور كالم وحم وطه وق وص غير دالة على شيء فتكون مهملة وقد خوطب بها الثاني قوله تعالى في سورة والصّافات في مذمة شجرة الزقوم طلعها كأنه رؤس الشياطين فإنه لا يفهم منه معنى فيكون مهملا وقد خوطب به الثالث قوله تعالى في سورة البقرة ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة لأن قوله تلك عشرة كاملة لا يفيد أمرا زائدا على ما سبقه فيكون مهملا وقد خوطب به الرابع قوله تعالى في سورة آل عمران وما يعلم تأويله إلا الله فإنه يدل على اختصاص علم التأويل به تعالى فظواهر ما يجب تأويله غير مراده وقد خوطب بها وهو الخطاب بالمهمل لا يقال نمنع الدلالة على اختصاص لأن قوله تعالى والراسخون في العلم معطوف على المستثنى ومقتضاه الإخبار بأن الراسخين يعلمون بذلك فلا يلزم ذلك لأنا نقول هذا العطف غير جائز لوجوه الأول أنه مستلزم لعود ضمير يقولون ءامنا به كل من عند ربنا إلى الله تعالى وهو باطل الثاني أنه